الجمع الانتقائي مقابل القطع المدمّر

ليس كل استخراجٍ للعود سواءً في أثره على الغابة. فثمة مقاربتان متقابلتان: الجمع الانتقائي الذي يأخذ ما حمل الراتنج ويترك ما سواه، والقطع المدمّر الذي يُسقط الأشجار جزافاً بحثاً عن العود ولو لم يوجد. في هذا المقال نقارن بين المقاربتين وأثرهما، ونبيّن لماذا يقع هذا الفرق في صميم استدامة العود ومسؤولية توريده.

أين يقع هذا المقال؟ هذا المقال محورٌ من رحلة الباحثين عن العود في غابات إندونيسيا، وهو الجواب المفصّل لسؤال هل يجب قطع الشجرة كاملة؟

مقاربتان لا واحدة

حين نتحدّث عن استخراج العود من البرية، لا نتحدّث عن أسلوبٍ واحد، بل عن طيفٍ يتراوح بين طرفين. في أحد الطرفين الجمع الانتقائي الحذر، وفي الآخر القطع المدمّر الجائر. والفرق بينهما ليس في اللفظ، بل في الأثر الذي يتركانه في الغابة وفي مستقبل المصدر نفسه.

وهذا التمييز هو ما دفعنا منذ بداية هذا الدليل إلى تسمية القائمين على المهنة «مستخرِجين وجامعين» لا غير ذلك: لأن التسمية تعكس المقاربة، والمقاربة تعكس الأثر. فمن «يجمع» بانتقاءٍ غير من «يقطع» جزافاً.

الجمع الانتقائي: الأرفق بالغابة

الجمع الانتقائي يقوم على مبدأٍ بسيط: أخذ ما حمل الراتنج، وترك ما لم يحمله. فحين تكون الإصابة موضعية، يُؤخذ الجزء المُعوِّد وتُترك الشجرة أو ما تبقّى منها، كما فصّلنا في محور هل يجب قطع الشجرة كاملة؟. وهذه المقاربة تحفظ الغابة، وتُبقي على أشجارٍ قد تُنتج لاحقاً، وتصون مصدر رزق المستخرِجين على المدى الطويل.

والجمع الانتقائي ليس شعاراً، بل ممارسةٌ تتطلّب خبرةً وصبراً: أن يقرأ المستخرِج الشجرة، ويأخذ منها بقدر، ويترك ما لا لزوم لأخذه. وهو أقرب إلى حرفةٍ مسؤولة منه إلى حصادٍ سريع، وهذا ما نشجّعه في علاقتنا بشبكة المستخرِجين.

هل تعلم؟ الفرق في الأثر لا في اللفظ

قد يبدو الفرق بين «الجمع» و«القطع» فرقاً في الكلمات، لكنه في الحقيقة فرقٌ في مصير الغابة. فالأول يأخذ بقدرٍ ويُبقي، والثاني يُسقط جزافاً ويستنزف. والكلمة هنا مرآةٌ للممارسة، لا مجرّد تسمية.

القطع المدمّر: استنزافٌ يهدّد المصدر

في الطرف المقابل يقف القطع المدمّر: إسقاط الأشجار جزافاً على أمل العثور على العود، ولو أدّى ذلك إلى قطع أشجارٍ لا عود فيها. وهذه الممارسة أنهكت الأشجار البرية في مناطق كثيرة عبر التاريخ، وهي أحد أهمّ ما دفع الصناعة نحو الزراعة المُدارة، كما تناولناه في التحوّل من العود البري إلى المزروع.

وخطر القطع المدمّر أنه يستنزف المصدر نفسه: فكلّما أُسقطت أشجارٌ أكثر دون تمييز، قلّت الأشجار الباقية التي قد تحمل العود مستقبلاً. ولهذا أُدرجت أنواع الأكيلاريا والجيرينوبس ضمن الملحق الثاني لاتفاقية سايتس الذي ينظّم تجارتها حفاظاً على استدامتها، كما فصّلنا في تاريخ سايتس والعود.

لماذا يهمّنا الفرق؟

يهمّنا هذا الفرق لأنه يتّصل مباشرةً بمسؤوليتنا في التوريد. فنحن نشجّع الجمع الانتقائي المسؤول في تعاملنا مع المستخرِجين، ونرى في استدامة المصدر مصلحةً مشتركة: للغابة، وللمجتمعات المحلية، ولمن يقدّر العود الأصيل. ونتحفّظ هنا من ادّعاء الكمال؛ فنحن مورّدون نصف مقاربةً نلتزم بها ونشجّعها، لا جهةً تراقب كل شجرةٍ في الغابة.

ويبقى الخيط الجامع أن مستقبل العود البري رهنٌ بأي المقاربتين تسود. فالجمع الانتقائي يُبقي على المصدر ويجعله متجدّداً قدر الإمكان، والقطع المدمّر يستهلكه. وهذا ما يجعل أخلاقيات التوريد — التي نختم بها هذا الدليل — امتداداً طبيعياً لهذا الفرق، لا موضوعاً منفصلاً عنه.

هل تعلم؟ الجمع المسؤول يحمي المصدر نفسه

الجمع الانتقائي ليس رفقاً بالغابة فحسب، بل حمايةٌ للمهنة ولمن يعيش منها. فمن يُبقي على الأشجار يضمن مصدراً يتجدّد، ومن يستنزفها يقطع الغصن الذي يجلس عليه. الاستدامة هنا مصلحةٌ قبل أن تكون فضيلة.

عودٌ نحرص أن يبقى مصدره

نشجّع الجمع المسؤول الذي يُبقي على غابة العود. في كنز العود الإندونيسي نأتي بالعود مباشرةً من مصادره في جزر إندونيسيا. جرّبه بنفسك، وابدأ بعيّنةٍ تختبر بها الرائحة والمنشأ والدرجة.

تصفّح العود الطبيعياطلب عيّنة
اقرأ أيضاً

هذا المقال محورٌ من رحلة الباحثين عن العود في غابات إندونيسيا، ويسبقه هل يجب قطع الشجرة كاملة؟

ولفهم البديل المُدار راجع دليل زراعة أشجار العود، ولموقعنا من سلسلة التوريد صفحة مصادر العود لدينا.

العودة إلى المدونة