مقابلة مع مستخرِج عودٍ ذي خبرةٍ طويلة
Share
بعد أن رأينا يوماً كاملاً في الغابة، نقترب أكثر من التجربة الإنسانية عبر حوارٍ مع مستخرِج عودٍ مخضرم. وحرصاً على الصدق، نوضّح أن هذه المقابلة صياغةٌ تمثيليّة تجمع خبراتٍ متكرّرة سمعناها من أكثر من مستخرِج في صوتٍ واحد، لا نقلاً حرفياً لشخصٍ بعينه. غايتها أن تنقل روح المهنة وتحوّلاتها كما يعيشها أهلها.
البداية: كيف دخلت هذه المهنة؟
س: متى بدأت العمل في استخراج العود، وكيف تعلّمته؟
ج: «دخلتُ المهنة صغيراً، مع والدي وأعمامي. لم يكن هناك تعليمٌ رسمي، بل مرافقةٌ ومشاهدة. كنتُ أحمل الحقيبة وأراقب كيف يقرؤون الشجرة، وكيف يميّزون موضع العود. المعرفة تنتقل باليد والعين، لا بالكلام وحده. استغرقتُ سنواتٍ قبل أن أثق بحكمي على قطعةٍ بمفردي.»
وهذا ما لمسناه في حديثنا عن دور المجتمعات المحلية: أن الخبرة إرثٌ عائليٌّ يُتوارث لا شهادةٌ تُنال.
أصعب ما في العمل
س: ما أصعب ما تواجهه في هذه المهنة؟
ج: «الأيام الفارغة. تمشي طويلاً وتفحص أشجاراً كثيرة وتعود بلا شيء. هذا يحتاج صبراً وقلباً لا ييأس. والغابة نفسها ليست سهلة: الحرارة، والرطوبة، والطريق. لكنّ أصعب من هذا كلّه أن العود صار أندر ممّا كان. الأشجار البرّية قلّت في أماكن كنّا نجدها فيها زمان.»
يُجمع المستخرِجون على أن الصبر أهمّ من القوّة أو السرعة. فالمهنة قائمةٌ على ندرةٍ تجعل النتائج متذبذبة، ومن لا يحتمل الأيام الفارغة لا يدوم فيها طويلاً.
ما الذي تغيّر عبر السنين؟
س: كيف تغيّر العمل منذ بدأت حتى اليوم؟
ج: «تغيّر كثيراً. زمان كان العود البرّي أوفر، والطلب أقلّ. اليوم صار الطلب عالياً والأشجار البرّية أقلّ. وظهرت الزراعة المُدارة، وصار جزءٌ كبير من العود يأتي من أشجارٍ مزروعة لا من البرية وحدها. ومن ينكر هذا التحوّل يكابر. نحن نتكيّف: بعضنا صار يعمل مع مزارع، وبعضنا ما زال يبحث في البرّية لكن بحذرٍ أكثر.»
وهذا التحوّل من البري إلى المزروع تناولناه بتوسّع في التحوّل من العود البري إلى المزروع، وهو موضوع المحور التالي أيضاً: كيف تغيّر استخراج العود عبر الأجيال.
نصيحةٌ ونظرةٌ إلى المستقبل
س: ما نصيحتك لمن يريد الحفاظ على هذه المهنة؟
ج: «لا تأخذ أكثر ممّا تحتاج. الشجرة التي تتركها اليوم قد تُطعمك غداً. من يقطع كلّ شيء يخسر في النهاية. وأتمنّى أن يبقى للعود البرّي مكانٌ، وأن تُدار الزراعة بحكمة، فالاثنان يكملان بعضهما. المهنة تستحقّ أن تُصان، لكنّها لن تُصان إلا إذا صِينت الغابة أوّلاً.»
في هذه الكلمات خلاصةٌ لكلّ ما قلناه: أن مستقبل المهنة رهنٌ باستدامة المصدر، وأن الجمع المسؤول ليس شعاراً بل شرط بقاء. ويبقى الخيط الجامع أن من عرك المهنة سنين هو أوّل من يدرك هشاشة توازنها.
كثيرٌ من المستخرِجين المخضرمين هم أشدّ الناس حرصاً على عدم الإفراط. فهم رأوا بأعينهم كيف تقلّ الأشجار حين يُفرَط فيها، ويعرفون أن استدامة الغابة هي ضمان استمرار رزقهم ومهنتهم.
وراء كل قطعة خبرةٌ راكمتها أجيال. في كنز العود الإندونيسي نأتي بالعود مباشرةً من مصادره في جزر إندونيسيا. ابدأ بعيّنةٍ تختبر بها الرائحة والمنشأ والدرجة.
تصفّح العود الطبيعياطلب عيّنةهذا المقال محورٌ من رحلة الباحثين عن العود في غابات إندونيسيا، ويسبقه قصّة يومٍ كامل مع جامع عود
ولتحوّلات المصدر راجع التحوّل من العود البري إلى المزروع، ولروح المهنة دور المجتمعات المحلية.