العثور على الشجرة: الخطوة الأولى في رحلة العود
Share
كل رحلة العود الطويلة — بخطواتها العشرين — تبدأ من لحظةٍ واحدة: العثور على الشجرة الحاملة للراتنج. فقبل الاستخراج والتنظيف والفرز والشحن، لا بدّ أوّلاً من إيجاد الشجرة القليلة التي كوّنت العود بين آلاف الأشجار السليمة. في هذا المقال نتناول هذه الخطوة الأولى بوصفها أساس الرحلة كلها: كيف يُعثر على الشجرة، ولماذا هي أندر ممّا يُظنّ، وكيف تمهّد لما يليها.
لماذا يبدأ كل شيء من العثور على الشجرة؟
لا عود دون شجرة، ولا شجرة نافعة دون عثورٍ عليها أوّلاً. فالخطوة الأولى في رحلة العود ليست الاستخراج كما قد يُظنّ، بل البحث والعثور على الشجرة التي كوّنت الراتنج فعلاً. وهذه الخطوة هي التي تحكم كل ما يليها: فجودة القطعة، ودرجتها، وقيمتها النهائية، كلّها تبدأ من نوع الشجرة التي عُثر عليها وحالها.
والعثور على الشجرة عملٌ يقوم به مستخرِجون وباحثون من أبناء المناطق الغابية، يقرؤون الغابة بخبرةٍ متوارثة. وقد فصّلنا عالمهم كاملاً في دليل رحلة الباحثين عن العود في غابات إندونيسيا؛ وهنا نتناول العثور بوصفه الحلقة الأولى في رحلة القطعة إلى مجلسك.
كيف يُعثر على الشجرة الحاملة؟
يبدأ العثور بتحديد المنطقة التي يُرجّح وجود الأشجار المُعوِّدة فيها، ثم البحث الدقيق عن أشجار الجنس المنتج للعود — وهي أساساً أشجار Aquilaria وGyrinops — ثم قراءة العلامات التي قد تدلّ على وجود الراتنج داخلها: تشوّهٌ في الجذع، أو أثر إصابةٍ قديمة، أو تغيّر لونٍ موضعي. وقد أفردنا لهذه العلامات مقالاً مستقلاً في علامات وجود الراتنج.
والعود لا يتكوّن في كل شجرة، بل ينشأ استجابةً لإصابةٍ تدفع الخشب إلى إفراز الراتنج الداكن، كما شرحنا في علم تكوّن العود. لذلك لا تكفي معرفة نوع الشجرة، بل يلزم تمييز الشجرة المُصابة التي قد تحمل عوداً من جارتها السليمة — وهو تمييزٌ لا يتقنه إلا خبيرٌ مرّن عينه عليه.
الشجرة الحاملة للعود قد لا تختلف ظاهرياً عن جارتها السليمة إلا بعلاماتٍ دقيقةٍ لا يلتقطها إلا خبير. ولهذا يبقى العثور فنّاً تقديرياً لا قاعدةً مضبوطة، وحكمُه النهائيُّ رهنٌ بفتح الخشب لاحقاً.
الندرة: شجرةٌ بين آلاف
أهمّ ما يميّز خطوة العثور أنها خطوة ندرة. فالعود لا يتكوّن إلا في نسبةٍ ضئيلةٍ من الأشجار، وقد يمشي الباحث ساعاتٍ بل أياماً بين أشجارٍ كثيرةٍ لا يحمل أغلبها شيئاً. وهذه الندرة في المصدر هي أول أسباب قيمة العود: فما يندر العثور عليه في أصله يغلو حين يصل إليك.
وهذه الندرة تفسّر أيضاً لماذا تبقى المعرفة المحلية أثمن ما في السلسلة. فالقدرة على تقليص هذا البحث الطويل — بمعرفة أين يُرجّح وجود الأشجار وكيف تُقرأ علاماتها — هي ما يجعل العثور ممكناً أصلاً وسط هذا الاتساع.
العثور مقدّمةٌ للاستخراج
حين يعثر الباحث على شجرةٍ ترجّح علاماتها وجود العود، تنتهي مهمّة العثور وتبدأ المهمّة التالية: استخراج الخشب المُعوِّد. فالعثور لا يعني بالضرورة قطع الشجرة، بل تحديدها وتقدير احتمال حملها للراتنج قبل الشروع في الاستخراج الدقيق. وهذا الفصل بين العثور والاستخراج مهمّ: إذ قد تُترك شجرةٌ لسنواتٍ أخرى إن لم تنضج إصابتها بعد.
وبهذا يكون العثور على الشجرة هو حجر الأساس الذي تقوم عليه بقية الرحلة. وفي المحور التالي من هذه الرحلة ننتقل إلى الخطوة الثانية: استخراج الخشب المُعوِّد من الشجرة بعد العثور عليها.
ليس كل عثورٍ على شجرةٍ يعني استخراجاً فورياً. فقد يقرّر الباحث ترك شجرةٍ لم تنضج إصابتها بعد لتُعطي عوداً أفضل لاحقاً. هذا التقدير جزءٌ من الجمع المسؤول الذي يُبقي على المصدر.
كل قطعةٍ بدأت من شجرةٍ عُثر عليها بين آلاف. في كنز العود الإندونيسي نأتي بالعود مباشرةً من مصادره في جزر إندونيسيا. ابدأ بعيّنةٍ تختبر بها الرائحة والمنشأ والدرجة.
تصفّح العود الطبيعياطلب عيّنةهذا المقال هو المحور الأول من رحلة العود من الغابة الإندونيسية إلى مجلس العميل الخليجي، ويليه محور استخراج الخشب.
وللتفصيل الكامل راجع رحلة الباحثين عن العود، وعلامات وجود الراتنج، وعلم تكوّن العود.